الصحة بإقليم تاونات: أزمة بنيوية تتقاطع فيها المسؤوليات وتستدعي إصلاحًا شاملاً
برحايل عبد العزيز
يشهد إقليم تاونات وضعًا صحيًا معقدًا لم يعد من الممكن اختزاله في اختلالات ظرفية أو أعطاب معزولة، بل أضحى يعكس بنية هشة تتداخل فيها عوامل تاريخية ومجالية ومؤسساتية. فالمرافق الصحية بالإقليم، وعلى رأسها المستشفى الإقليمي، تجد نفسها أمام ضغط متزايد في ظل ضعف الإمكانيات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة وعلى ثقة المواطنين في المنظومة الصحية ككل.
وقد أعادت صور متداولة من داخل بعض الفضاءات الاستشفائية إثارة النقاش العمومي، حيث أبرزت مظاهر واضحة للتدهور البنيوي، من انتشار الرطوبة والعفن إلى آثار تسربات مائية تعكس خللًا في البنية التحتية. هذه المؤشرات لا يمكن التعامل معها فقط من زاوية جمالية أو تقنية، بل ينبغي قراءتها باعتبارها عوامل تهدد السلامة الصحية، خاصة بالنسبة للمرضى الذين يعانون من هشاشة مناعية أو أمراض مزمنة، وهو ما يطرح بإلحاح مسألة الصيانة والاستثمار في استدامة المرافق الصحية.
وإلى جانب هذه الصور، تكشف الوقائع الميدانية عن صعوبات يومية تواجه المرتفقين، حيث يصبح الحصول على بعض المستلزمات الأساسية أمرًا غير مضمون داخل المؤسسة الصحية نفسها، مما يدفع الأسر إلى البحث عنها خارجها في لحظات حرجة. كما أن توجيه عدد من الحالات نحو مدن أخرى يعكس محدودية العرض الصحي بالإقليم، سواء من حيث التجهيزات أو التخصصات، وهو ما يفاقم معاناة المرضى ويثقل كاهلهم ماديًا ونفسيًا.
في المقابل، تشير التفسيرات الرسمية إلى أن جزءًا من هذه الوضعية مرتبط بظروف مناخية استثنائية، خاصة التساقطات المطرية التي شهدها الإقليم مؤخرًا، والتي أثرت على بعض البنيات والتجهيزات. وقد تم بالفعل تسجيل تحركات ميدانية لتقييم الأضرار وبرمجة تدخلات استعجالية لإعادة التأهيل. غير أن هذا المعطى، رغم أهميته، لا يكفي لتفسير عمق الاختلالات، بقدر ما يسلط الضوء على محدودية قدرة هذه البنيات على الصمود، ويعيد النقاش إلى مسألة جودة الإنجاز وفعالية الصيانة وآليات التتبع.
إن الاقتصار على تحميل المسؤولية لجهة محلية بعينها لا يعكس طبيعة الإشكال، إذ إن تدبير القطاع الصحي يندرج ضمن منظومة متعددة المستويات، تتقاطع فيها الاختصاصات بين المحلي والجهوي والمركزي. وقد سبق لعدد من الفاعلين، بما في ذلك ممثلو الإقليم داخل المؤسسة التشريعية، أن أثاروا هذه الإشكالات ونقلوا انشغالات الساكنة إلى الجهات المعنية، ما يدل على أن الأزمة ليست وليدة لحظة طارئة، بل هي نتيجة تراكمات ممتدة تتطلب مقاربة شمولية تتجاوز الحلول الجزئية.
هذا الواقع أفرز بدوره أشكالًا من التعبير المجتمعي، حيث لجأت فعاليات مدنية وحقوقية إلى الاحتجاج للمطالبة بتحسين الخدمات الصحية وضمان الحد الأدنى من شروط الكرامة في الولوج إلى العلاج. وهي مطالب تجد سندها في المقتضيات الدستورية التي تجعل من الحق في الصحة حقًا أساسيًا لا يقبل التأجيل أو التجزيء، كما تعكس في الآن ذاته مستوى التوتر الاجتماعي المرتبط بتدهور الخدمات العمومية.
وفي هذا السياق، يبرز بوضوح أن معالجة الوضع الصحي بالإقليم تستدعي تدخلًا يتجاوز التدبير المحلي، نحو رؤية مركزية منسجمة قادرة على إعادة تأهيل البنيات التحتية وتعزيز الموارد البشرية وتوفير التجهيزات الضرورية، مع إرساء آليات حكامة تضمن الاستمرارية والنجاعة. فهشاشة البنيات الحالية، في ظل التحولات المناخية والضغط الديمغرافي، تفرض التفكير في نماذج أكثر صمودًا واستدامة.
كما يطرح هذا الوضع إشكالية أعمق ترتبط بالعدالة المجالية، حيث لا يمكن القبول باستمرار تفاوتات صارخة في الولوج إلى الخدمات الصحية بين مختلف المناطق. إن تجاوز هذا الواقع يندرج ضمن الرهانات الكبرى المرتبطة بتكريس مبدأ تكافؤ الفرص وضمان توزيع عادل للموارد، بما ينسجم مع التوجهات العامة الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
وعليه، فإن ما يعيشه إقليم تاونات اليوم لا ينبغي النظر إليه كحالة معزولة، بل كمؤشر على اختلالات أوسع تستدعي إعادة تقييم السياسات الصحية على المستوى الوطني، في اتجاه بناء منظومة أكثر إنصافًا وفعالية، قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين وضمان حقهم في العلاج في ظروف لائقة.
