عن “سؤال” البرلمان و”حضور” الميدان: تاونات في انتظار نخبةٍ تشبهها
بقلم برحايل عبد العزيز
مع اقتراب استحقاقات شتنبر 2026، يتجدد بإقليم تاونات النقاش حول حصيلة ممثليه تحت قبة البرلمان، وحول مدى انعكاس أدائهم المؤسساتي على واقع التنمية المحلية. وفي خضم هذا السجال، يبرز خطابٌ يسعى إلى اختزال العمل البرلماني في مؤشرات رقمية صرفة، مقدِّماً عدد الأسئلة البرلمانية باعتباره المعيار الأبرز، بل والأوحد أحياناً، للحكم على أداء المنتخبين.
ولا شك أن السؤال البرلماني يُعد إحدى الآليات الدستورية المهمة في ممارسة الرقابة وتتبع السياسات العمومية، غير أن قيمته الحقيقية لا تُقاس بعدده، وإنما بمدى ارتباطه بانشغالات المواطنين وقدرته على الإسهام في إيجاد حلول ملموسة لقضاياهم. فالسؤال الذي لا يستند إلى معطيات الميدان، ولا ينبع من تفاعل مستمر مع الفاعلين المحليين وهيئات المجتمع المدني، يظل مجرد ممارسة إجرائية تفتقد إلى العمق التمثيلي الذي يمنحها معناها الحقيقي.
إن العمل البرلماني في جوهره ليس مجرد ترافع مؤسساتي داخل القبة التشريعية، بل هو امتداد لعلاقة متواصلة بين المنتخب ومحيطه الاجتماعي. ومن هنا، فإن البرلماني الذي يكتفي بالحضور داخل المؤسسات، دون أن يحافظ على حضوره وسط المواطنين، يفقد جزءاً أساسياً من هويته السياسية والتمثيلية. فالمواطن لا يبحث فقط عمن ينقل صوته إلى البرلمان، بل عمن يصغي إليه أولاً، ويتفاعل مع انتظاراته وهمومه اليومية.
لقد أثبتت التجارب الديمقراطية الحديثة أن جودة الأداء التمثيلي ترتبط بمدى قدرة المنتخب على بناء جسور الثقة والتعاون مع مختلف الفاعلين المحليين. لذلك، فإن السؤال البرلماني الأكثر تأثيراً ليس ذلك الذي يُصاغ في عزلة عن الواقع، وإنما ذلك الذي يتشكل من خلال حوار دائم مع القوى الحية بالإقليم، ويستند إلى تشخيص ميداني دقيق للاحتياجات والأولويات.
وفي هذا السياق، يظل الإعلام شريكاً أساسياً في ترسيخ النقاش العمومي الجاد والمسؤول. غير أن التحدي المطروح اليوم لا يكمن فقط في رصد المؤشرات الكمية المرتبطة بالأداء البرلماني، وإنما في مواكبة أثر هذا الأداء على التنمية المحلية وجودة حياة المواطنين. فالمقاربة التي تكتفي بإحصاء عدد الأسئلة أو التدخلات قد تُغفل أحياناً جوهر العملية التمثيلية، المتمثل في تحقيق نتائج ملموسة والاستجابة الفعلية للانتظارات المجتمعية.
إن إقليم تاونات، بما يواجهه من تحديات مرتبطة بالبنيات التحتية، وفك العزلة، وتحسين الخدمات الصحية، وتعزيز فرص الاستثمار والتنمية، يحتاج اليوم إلى نخب سياسية تجمع بين قوة الترافع داخل المؤسسات وفعالية الحضور الميداني. فالتنمية لا تتحقق بالخطابات وحدها، ولا بالأرقام المجردة، وإنما برؤية واضحة، وعمل مستمر، وشراكة حقيقية مع مختلف الفاعلين.
ومن هذا المنطلق، تبدو الاستحقاقات المقبلة فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري حول طبيعة التمثيل الذي يريده المواطنون: هل يكفي أن يكون المنتخب حاضراً في الإحصائيات والتقارير، أم أن المطلوب هو حضور فعلي في تفاصيل الحياة اليومية للساكنة وقضاياها؟ إن الرهان الحقيقي لا يتعلق بعدد المبادرات أو الأسئلة بقدر ما يتعلق بقدرتها على إحداث أثر إيجابي ومستدام على أرض الواقع.
ختاماً، فإن تاونات لا تبحث عن نخب تجيد مخاطبة المؤسسات فحسب، بل عن نخب تُحسن أيضاً الإنصات للمجتمع والتفاعل مع نبضه. فالمقعد البرلماني ليس امتيازاً رمزياً ولا مساحةً لاستعراض الأرقام، بل مسؤولية تقتضي التزاماً دائماً تجاه المواطنين، وشراكة متواصلة مع مختلف مكونات المجتمع. وعندما يتحقق هذا التوازن بين الحضور المؤسساتي والحضور الميداني، يصبح العمل السياسي أكثر صدقية، وتصبح التنمية أقرب إلى التحقق.
