قلم هشام نعومي عدسة محمد الظريف
لم تكن ليلة الجمعة في الرباط مجرد موعد كروي عابر، بل كانت بداية فصل جديد في مسار المنتخب الوطني المغربي، الذي قص شريط مشاركته في تصفيات كأس أمم إفريقيا 2027 بانتصار بثنائية نظيفة على المنتخب الغابوني، في مواجهة احتضنها ملعب الأمير مولاي عبد الله وسط حضور جماهيري منح المباراة طابعاً خاصاً.
وحسم المنتخب الوطني المواجهة بهدفين حملا توقيع نصير مزراوي في الدقيقة 36 وسفيان رحيمي في الدقيقة 84، ليحصد «الأسود» أول ثلاث نقاط في المجموعة الأولى، ويضعوا أنفسهم في مقدمة الترتيب بعد الجولة الافتتاحية.
الرباط تستعيد موعدها مع «الأسود»

قبل بداية المباراة، كان واضحاً أن الجمهور المغربي ينتظر هذه المواجهة بكثير من الحماس، خصوصاً أن الأمر يتعلق بأول مباراة رسمية للمنتخب الوطني بعد كأس العالم 2026، وبأول ظهور له في التصفيات تحت قيادة المدرب محمد وهبي.
وكانت الجماهير قد أبدت، قبل صافرة البداية، ثقتها في قدرة المنتخب على تجاوز الغابون رغم بعض الغيابات، مؤكدة أن وفرة الخيارات داخل المجموعة تسمح بتعويض الأسماء الغائبة. كما لقي حضور عدد من الوجوه الشابة اهتماماً خاصاً من الأنصار.
وهكذا تحول ملعب الأمير مولاي عبد الله إلى فضاء للاحتفال بالمنتخب، في مشهد عكس استمرار الارتباط القوي بين الجماهير المغربية و«أسود الأطلس».
وهبي يختار مزيج الخبرة والشباب

دخل محمد وهبي المباراة بتشكيلة جمعت بين عناصر ذات تجربة دولية وأسماء شابة حصلت على فرصة الظهور في المنتخب الأول.
وحافظ ياسين بونو على مكانه في حراسة المرمى، بينما تشكل الخط الدفاعي من نصير مزراوي ونايف أكرد وأيوب بوعدي وعلي معمر، في وقت ضمت فيه تركيبة الوسط أسماء مثل عز الدين أوناحي وإسماعيل الصيباري وبلال الخنوس ونائل العيناوي، مع الاعتماد هجومياً على عبد الصمد الزلزولي وياسر الزابيري.
وكانت هذه الاختيارات تعكس رغبة المدرب في منح الفرصة لجيل جديد دون التخلي عن عناصر الخبرة.
وكان وهبي قد استدعى قبل انطلاق التصفيات ثلاثة لاعبين لم يسبق لهم خوض أي مباراة دولية مع المنتخب الأول، وهم عبد الله وزان وسفيان الفوزي وياسر الزابيري، في إطار توجه واضح نحو توسيع قاعدة الاختيارات.
ضغط مغربي والبحث عن الطريق نحو المرمى

منذ الدقائق الأولى، حاول المنتخب المغربي أخذ المبادرة، من خلال الاستحواذ على الكرة وتحريكها بسرعة بين الخطوط، مع البحث عن المساحات في دفاع المنتخب الغابوني.
ولم يكن المنتخب الضيف مستعداً لفتح مناطقه بسهولة، حيث حاول تضييق المساحات أمام لاعبي المنتخب المغربي والاعتماد على التحولات السريعة كلما نجح في افتكاك الكرة.
هذا الوضع جعل «الأسود» بحاجة إلى الصبر، خصوصاً أن الوصول إلى مرمى الغابون لم يكن سهلاً في ظل التكتل الدفاعي للضيوف.
لكن مع مرور الوقت، ارتفع الضغط المغربي، وأصبح المنتخب أقرب إلى افتتاح التسجيل.
مزراوي يفك شفرة الدفاع الغابوني
انتظر المنتخب الوطني حتى الدقيقة 36 ليجد طريقه إلى الشباك.
وجاء الهدف بواسطة نصير مزراوي، الذي منح «الأسود» التقدم وأشعل مدرجات ملعب الأمير مولاي عبد الله.
وكان الهدف مهماً من الناحية الرياضية والنفسية، لأنه جاء بعد فترة من الضغط المغربي، كما سمح للعناصر الوطنية بالدخول إلى غرفة الملابس بأفضلية مريحة نسبياً.
وفي المقابل، حاول المنتخب الغابوني الحفاظ على تماسكه وعدم استقبال هدف ثانٍ قبل نهاية الشوط الأول، لتنتهي المرحلة الأولى بتقدم المغرب بهدف دون مقابل.
الشوط الثاني.. الغابون يرفض الاستسلام

بعد العودة من غرف الملابس، لم يتراجع المنتخب الغابوني بشكل كامل، بل حاول البحث عن إمكانية العودة في النتيجة، وهو ما جعل الدقائق الأولى من الشوط الثاني أكثر حذراً بالنسبة للمنتخب المغربي.
في المقابل، ظل «الأسود» يبحثون عن الهدف الثاني الذي من شأنه قتل المباراة، لكن بعض الفرص لم تجد طريقها إلى الشباك.
وهنا برز دور دكة البدلاء، حيث بدأ محمد وهبي في إدخال عناصر جديدة بهدف الحفاظ على النسق الهجومي ومنح الفريق طاقة إضافية خلال الدقائق الأخيرة.
وكان من بين التغييرات دخول سفيان رحيمي في الدقيقة 62، إلى جانب تغييرات أخرى ساهمت في تجديد الحيوية داخل الخط الأمامي.
رحيمي يضع حداً للتشويق

وبينما بدأت عقارب الساعة تقترب من النهاية، كان المنتخب المغربي بحاجة إلى هدف ثانٍ لتفادي أي مفاجأة في الدقائق الأخيرة.
وجاء الرد في الدقيقة 84.
سفيان رحيمي، الذي دخل بديلاً، تمكن من مضاعفة تقدم المنتخب الوطني، مستفيداً من تمريرة بلال الخنوس، ليصبح المغرب متقدماً بهدفين دون مقابل.
وكان هذا الهدف بمثابة نقطة النهاية الفعلية للمباراة، إذ منح اللاعبين والجماهير راحة أكبر خلال الدقائق المتبقية، قبل أن تنطلق صافرة النهاية معلنة بداية ناجحة للمنتخب في التصفيات.
التحكيم تحت المجهر

أدار المواجهة الحكم الجنوب إفريقي أبونغيل توم، بعدما كانت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم قد أعلنت في وقت سابق إسناد مهمة تحكيم مباراة المغرب والغابون إلى الحكم الجنوب إفريقي.
ولم تعرف المباراة أحداثاً تحكيمية غيّرت مسار النتيجة، إذ انتهت دون بطاقة حمراء، بينما تم اللجوء إلى البطاقات الصفراء في عدد من الحالات التي شهدت احتكاكات وأخطاء بين لاعبي المنتخبين.
وكانت طبيعة المباراة، خصوصاً في وسط الملعب، تفرض على الحكم التدخل في عدد من المخالفات، مع استمرار المنتخب الغابوني في محاولة إيقاف البناء الهجومي المغربي.
وفي النهاية، بقيت النتيجة الرياضية محسومة على أرضية الملعب لصالح المغرب، دون أن يكون التحكيم عاملاً حاسماً في تحديد هوية الفائز.
الجمهور.. اللاعب رقم 12

إذا كان مزراوي ورحيمي قد تكفلا بتسجيل الهدفين، فإن الجماهير المغربية كانت حاضرة بقوة في المدرجات.
فمنذ ما قبل المباراة، ظهرت مؤشرات الحماس الكبير لدى أنصار المنتخب، الذين عبروا عن ثقتهم في المجموعة رغم الغيابات، كما رحبوا بالوجوه الجديدة التي اختارها محمد وهبي.
ولم يكن الدعم مقتصراً على لحظات التسجيل، بل رافقت الجماهير المنتخب خلال فترات الضغط، وهو ما منح المباراة أجواء قوية داخل الملعب. وكانت SNRT قد نقلت قبل المواجهة آراء عدد من المشجعين الذين أكدوا تفاؤلهم بقدرة المنتخب على تحقيق الفوز أمام الغابون.
انتصار بثلاث نقاط.. ورسالة إلى المنافسين
الأهم بالنسبة للمنتخب المغربي كان تحقيق الهدف الأساسي: الفوز.
فثنائية مزراوي ورحيمي منحت «الأسود» ثلاث نقاط ثمينة في بداية مشوار التصفيات، وجعلت المنتخب في صدارة المجموعة الأولى بعد الجولة الافتتاحية، وفق معطيات المباراة المنشورة.
لكن الانتصار، في الوقت نفسه، أظهر بعض الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من العمل، خصوصاً على مستوى استغلال الفرص وحسم المباريات في وقت أبكر، بعدما ظل المنتخب الغابوني داخل أجواء المواجهة إلى حدود الدقائق الأخيرة.
وهذه النقطة ستكون من بين الملفات التي سيعمل محمد وهبي على معالجتها قبل المباراة المقبلة.
الموعد المقبل.. ليسوتو خارج الديار
لن يملك المنتخب المغربي وقتاً طويلاً للاحتفال بهذا الانتصار، إذ سيشد الرحال إلى جنوب إفريقيا لمواجهة منتخب ليسوتو يوم الثلاثاء 29 شتنبر، برسم الجولة الثانية من التصفيات.
وستقام المباراة بمدينة بلومفونتين، على أرضية ملعب «تويوتا ستاديوم»، بعدما كان الاتحاد قد حدد هذا الموعد ضمن برنامج المجموعة الأولى. كما أسندت مهمة إدارة المباراة إلى الحكم الكاميروني عبدو أبديل المفير.
وتكتسي المباراة أهمية خاصة، لأنها ستمنح المنتخب المغربي فرصة تعزيز رصيده في بداية التصفيات، لكنها في الوقت نفسه ستكون اختباراً مختلفاً عن مواجهة الغابون، بالنظر إلى خوضها خارج الديار.
وهكذا، أسدل الستار على ليلة الرباط بفوز مغربي بهدفين دون رد، في مباراة حملت توقيع مزراوي ورحيمي، وفتحت للمنتخب الوطني باب التصفيات بثلاث نقاط، وسط دعم جماهيري لافت، وظهور أول لجيل جديد من اللاعبين تحت قيادة محمد وهبي.
البداية كانت مغربية في الرباط.. والاختبار المقبل سيكون خارج الديار في بلومفونتين.





